فخر الدين الرازي

296

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الثالثة : الباء في قوله : بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ما وجهه وكيف موقعه ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : كما هي في قول القائل فتحت الباب بالمفتاح وتقديره هو أن يجعل كأن الماء جاء وفتح الباب وعلى هذا تفسير قول من يقول : يفتح اللّه لك بخير أي يقدر خيرا يأتي ويفتح الباب ، وعلى هذا ففيه لطيفة وهي من بدائع المعاني ، وهي أن يجعل المقصود مقدما في الوجود ، ويقول كأن مقصودك جاء إلى باب مغلق ففتحه وجاءك ، وكذلك قول القائل : لعل اللّه يفتح برزق ، أي يقدر رزقا يأتي إلى الباب الذي كالمغلق فيدفعه ويفتحه ، فيكون اللّه قد فتحه بالرزق ثانيهما : فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ مقرونة بِماءٍ مُنْهَمِرٍ والانهمار الانسكاب والانصباب صبا شديدا ، والتحقيق فيه أن المطر يخرج من السماء التي هي السحاب خروج مترشح من ظرفه ، وفي ذلك اليوم كان يخرج خروج مرسل خارج من باب . ثم قال تعالى : [ سورة القمر ( 54 ) : آية 12 ] وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ( 12 ) [ في قوله تعالى وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ ] وفيه من البلاغة ما ليس في قول القائل : وفجرنا عيون الأرض ، وهذا بيان التمييز في كثير من المواضع ، إذا قلت ضاق زيد ذرعا ، أثبت ما لا يثبته قولك ضاق ذرع زيد ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال : وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً ولم يقل ففتحنا السماء أبوابا ، لأن السماء أعظم من الأرض وهي للمبالغة ، ولهذا قال : أَبْوابَ السَّماءِ ولم يقل : أنابيب ولا منافذ ولا مجاري أو غيرها . وأما قوله تعالى : وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فهو أبلغ من قوله : وفجرنا عيون الأرض ، لأنه يكون حقيقة لا مبالغة فيه ، ويكفي في صحة ذلك القول أن يجعل في الأرض عيونا ثلاثة ، ولا يصلح مع هذا في السماء إلا قول القائل : فأنزلنا من السماء ماء أو مياها ، ومثل هذا الذي ذكرناه في المعنى لا في المعجزة ، والحكمة قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ [ الزمر : 21 ] حيث لا مبالغة فيه ، وكلامه لا يماثل كلام اللّه ولا يقرب منه ، غير أني ذكرته مثلا : وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى [ النحل : 60 ] . المسألة الثانية : العيون في عيون الماء حقيقة أو مجاز ؟ نقول : المشهور أن لفظ العين / مشترك ، والظاهر أنها حقيقة في العين التي هي آلة الأبصار ومجاز في غيرها ، أما في عيون الماء فلأنها تشبه العين الباصرة التي يخرج منها الدمع ، أو لأن الماء الذي في العين كالنور الذي في العين غير أنها مجاز مشهور صار غالبا حتى لا يفتقر إلى القرينة عند الاستعمال إلا للتمييز بين العينين ، فكما لا يحمل اللفظ على العين الباصرة إلا بقرينة ، كذلك لا يحمل على الفوارة إلا بقرينة مثل : شربت من العين واغتسلت منها ، وغير ذلك من الأمور التي توجد في الينبوع ، ويقال : عانه يعينه إذا أصابه بالعين ، وعينه تعيينا ، حقيقته جعله بحيث تقع عليه العين ، وعاينه معاينة وعيانا ، وعين أي صار بحيث تقع عليه العين . المسألة الثالثة : قوله تعالى : فَالْتَقَى الْماءُ قرئ فالتقى الماءان ، أي النوعان ، منه ماء السماء وماء الأرض ، فتثنى أسماء الأجناس على تأويل صنف ، تجمع أيضا ، يقال : عندي تمران وتمور وأتمار على تأويل نوعين وأنواع منه والصحيح المشهور : فَالْتَقَى الْماءُ وله معنى لطيف ، وذلك أنه تعالى لما قال : فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ [ القمر : 11 ] ذكر الماء وذكر الانهمار وهو النزول بقوة ، فلما قال : وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً كان من الحسن البديع أن يقول : ما يفيد أن الماء نبع منها بقوة ، فقال : فَالْتَقَى الْماءُ أي من